تداهمنا الحيرة حينما نحاول أن نفهم ما امتلكه المصريون القدماء من معرفة بجيولوجيا مصر واكتشاف مواقع المعادن، ثم القدرة علي استخراجها في صورتها الطبيعية، و معرفة التكنولوجيا الخاصة بعلوم التعدين والفلزات وصولا إلي إنتاج الذهب الخالص وتصنيع سبائكة مع الفضة أو النحاس.
وكانت أولى المعادن التي اكتشفها المصري القديم النحاس، الذي ظهر ببطء في نهاية عصر ما قبل التاريخ، حتى استخرج البرونز في حوالي العام 2000 ق.م، أي بعد اكتشافه واستعماله في حضارات الشرق القديمة بألف سنة تقريبا.
أما الحديد فأُدخل ببطء شديد، في الصناعات المصرية القديمة، في الفترة ما بين العام 1000 , 600 ق.م.
وقد خلفت الحضارة المصرية كثيراً من الأشياء الجميلة المصنوعة من النحاس، ثم من البرونز (أسلحة القتال وأدوات النجارين والتماثيل الكبيرة). فمثلاً، صُنع تمثال "بيبي الأول" من النحاس؛ وكذلك الحلي، والأواني شبه الفاخرة ولوازم الأبواب، وغير ذلك.
وأشرفت الحكومة المركزية قديما على صناعة المعادن (كان مصنع الأسلحة بمدينة منف أقدم مصنع جماعي بالعالم), وقامت المعابد أيضاً بالإشراف عليها وصنعها ( صانعو معادن آمون)، وصاهري معادن بتاح.
وكان العمال المصريون يقومون بتنقية خام النحاس في منجمه.
أما البرونز الآسيوي، فكان يرد جاهزاً، كما هو الحال مع القصدير الذي أستوردته مصر من بعض دول الشمال قبل أن تقوم بخلطة بالنحاس.
أما الذهب فقد أقترن تسجيل بدء إنتاجه بعملية تسجيل التاريخ في الدولة القديمة، وهي 6 أسر امتدت من 3100 ق.م إلي 2181 ق.م.
استخرج الذهب من 22 موقعا في عهد الدولة القديمة كلها بالصحراء الشرقية, تقع جميعا في المنطقة الواقعة بين البحر الأحمر وقنا إلي أسوان غربا.
وقد ازدهرت صناعة التعدين المصرية وتطورت مع ازدياد الاكتشافات في العصور اللاحقة حيث ارتفع عدد مواقع تعدين الذهب إلي 86 موقعا كلها بالصحراء الشرقية، امتدت من أسوان إلي النوبة وغطت الصحراء الشرقية بأكملها إلي جنوب الزعفرانة، وهي محددة بالأسماء والمواقع الجغرافية، وبلغ إنتاج الذهب أوجه خلال الأسرتين الـ18 والـ 19 وامتد استخراجه إلي دنقلة وأبو حمد.
وتشهد بردية خريطة منجم الفواخير المحفوظة بمتحف تورينو علي تطور صناعة تعدين الذهب وحسن تخطيط مجمع بخن الصناعي.
وتعتبر هذه البردية التاريخية الرائعة المكتوبة باللغة الهيراطيقية المصرية أقدم خريطة في العالم حيث يرجع تاريخها إلي 1300 ق.م, وهو عهد "سيتي الأول".
كما يشهد على ازدهار هذه الصناعة أن تابوت ''الملك الصغير توت عنخ آمون'' الموجود بالمتحف المصري يزن ما به من ذهب خالص 133 كيلوجراما!!.
قام المصريون بتصنيع المعادن بطرق شتى تحت إشراف الإدارة. حيث كان يستخدم قالب مفتوح لصنع الأشكال البسيطة سهلة الكسـر، كالصفائح والدبابيس.
أما الأسلحة والأدوات الصناعية فكانت تُشكَّل مبدئياً في قالب، وتطرق وهي ساخنة لتقسيتها.وأما المصنوعات الدقيقة، كالتماثيل الصغيرة فيلزم لها قالب مقفل و.تستعمل اليوم طريقة مشابهة في تحضير الأسنان الصناعية.
كما كانوا يستعملون آنية صغيرة من الطين توضع في فرن لصهر المعادن، فيُكسر الطرف المدبب لينزل منه المعدن المنصهر، وبينما المعدن لا يزال لدنا، يؤخذ بملقط ويُشكَّل، واستخدم الفحم النباتي وقوداً إلا أن ناره كانت ضعيفة، وكان عدداً من الصبيان ينفخون عليها معاً بواسطة أنابيب خاصة، حتى تطور الأمر، وحل محل أنابيب النفخ منفاخين من جلد الماعز يطأهما رجلان بقدميهما واحداً بعد الآخر.
عن ملتقى المهندسين العرب